16 تشرين الأول, 2019

«مرحلة ما بعد الأزمة» ستشهد حركة إعمار واسعة.. عشر سنوات على إحداث فرعي جامعة دمشق في درعا والسويداء

 الوطن – الدكتور وائل معلا

قبل عشر سنوات اتخذت قيادتنا وحكومتنا قراراً استراتيجياً مهماً على صعيد التعليم العالي في القطر، ألا وهو البدء بالتوسع الأفقي للجامعات؛ فافتتحت جامعة دمشق فرعين لها في محافظتي درعا والسويداء، وافتتحت جامعة البعث فرعاً لها في حماة، وجامعة تشرين فرعاً في طرطوس، وجامعة حلب فرعين في دير الزور وإدلب، وقد تحول فرع دير الزور الذي كانت نواته كلية الزراعة الثانية التابعة أصلا لجامعة حلب، فيما بعد إلى جامعة الفرات.

بالنسبة لجامعة دمشق، كان لهذا القرار انعكاسات إيجابية في غاية الأهمية، لكنّه فرض عليها في الوقت نفسه التعامل مع تحديات جديدة كان لا بد من مواجهتها. فقد تجاوز عدد طلاب جامعة دمشق في ذلك الحين مئة ألف طالب، وأصبح هذا العدد الكبير من الطلاب يشكل ضغطاً حقيقياً على بنى الجامعة التحتية ومنشآتها، وينعكس سلباً على جودة العملية التعليمية. وقد أظهرت الإحصاءات الأولية التي أجريت في بعض الكليات في ذلك الحين أن عدد طلاب جامعة دمشق الذين حصلوا على شهادة الدراسة الثانوية من محافظة درعا يبلغ نحو 20% من الطلاب، في حين تبلغ هذه النسبة من محافظة السويداء 19%، وباقي طلاب الجامعة أي نحو 60% منهم حصل على شهادته الثانوية من محافظتي دمشق وريف دمشق، و1 % فقط من باقي المحافظات الأخرى. وحيث إن جامعة دمشق هي دوما الخيار الأول لطلاب محافظتي درعا والسويداء، فمن الواضح أن قراراً كهذا يضمن توفير فرص تعليمية لأبناء هاتين المحافظتين في محافظاتهم سيكون له انعكاسات ايجابية كبيرة وبالدرجة الأولى على الطلاب وذويهم من جهة، وعلى الجامعة بكل مكوّناتها التعليمية والتربوية وبناها التحتية على حد سواء. فهو سيوفر على الطلاب مشاقّ السفر وأعباءه المادية وغير المادية، كما أنه سيخفف الضغط على منشآت الجامعة وبناها التحتية، وخاصة على المدينة الجامعية التي أصبح اكتظاظها الشديد بالطلاب وشروط الإقامة فيها ظاهرة غير صحية لا بدّ من إيجاد حلول سريعة لها.

من هذا المنطلق، بذلت جامعة دمشق كل ما في وسعها لتوفير مستلزمات نجاح هذه المشروع الوطني بامتياز. وحشدت طاقات كبيرة من أجل تحقيق ذلك. وكان لتعاون محافظي درعا والسويداء ووزارة التربية دوراً مهماً في نجاح هذا المشروع. فقد وفرت محافظة درعا بموافقة وزارة التربية مبنى مناسباً قامت جامعة دمشق بترميمه وتجهيزه لاحتضان أولى الكليات التي افتُتِحت فيه وهي كليات الآداب والاقتصاد والتربية. ووفرت محافظة السويداء عدة مبانٍ لاحتضان كليات الآداب والتربية والزراعة التي خصصت لهذا الفرع. غير أن التحديات التي واجهتها جامعة دمشق في السويداء كانت صعبة وذات طابع خاص.

ففي حين أن المبنى الذي وضع تحت تصرف جامعة دمشق في درعا كان مبنى تعليمياً بالأساس ويقع ضمن المدينة، وبالتالي فإن ترميمه وتجهيزه لاستقبال العملية التعليمية كان أمراً يسيرا نسبيا، فإن المباني التي وضعت تحت تصرف الجامعة في السويداء لم تكن جميعها مباني تعليمية، كما أنها مبعثرة جغرافيا وبعضها بعيد عن الآخر. فعلى الرغم من أن المبنى الذي خصص لكلية التربية كان مبنى مدرسة ويقع ضمن المدينة، وأن المعهد المتوسط الزراعي الذي يقع في منطقة المزرعة التي تبعد نحو ثمانية كيلومترات عن مركز المدينة احتضن كلية الزراعة المحدثة، فإن المبنى الذي خصص لكلية الآداب يقع في عريقة التي تبعد أكثر من ثلاثين كيلومتراً عن مركز المحافظة، وهو في الأصل ليس مبنى تعليميا وإنما كان مخصصاً للتنمية الريفية.

لذلك فقد بذلت جامعة دمشق جهدا كبيراً لترميم هذه الأبنية وتجهيزها بما يلزم لاستقبال العملية التعليمية. وهنا لا بد من الإشادة بالجهود الكبيرة التي بذلتها مديرية الشؤون الهندسية في هذا النطاق، وقد كان لمديرة الشؤون الهندسية في هذا الفرع بشكل خاص دور مهم ومميز في متابعة تجهيز البنى التحتية لهذا الفرع، والتخطيط لجميع التوسعات التي طرأت عليه ومتابعة تنفيذها، من مبان وقاعات ومخابر رغم صعوبة هذه المهمة بسبب انتشار الكليات على رقعة جغرافية واسعة نسبيا. ويبرز هنا مثال مشرق للمرأة السورية التي أثبتت جدارتها وكفاءتها الإدارية، والتي تعمل بصمت وإخلاص في خدمة هذا الوطن وبناء مستقبله وتحقيق أهدافه. وهي ليست وحدها في ذلك، فجامعة دمشق تعج بالكفاءات العظيمة، والنفوس المخلصة لوطنها، المتمسكة بقيم العمل والتفاني، وهي وراء كل عمل ناجح قطفت الجامعة والوطن ثماره.

والآن بعد مرور أكثر من عشر سنوات على افتتاح هذين الفرعين، أصبح كل فرع منهما يضم أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة. وافتتحت فيهما كليات إضافية بحيث بلغ عدد الكليات في كل فرع ست كليات أو تجاوزها، كما أحدثت أقسام إضافية في الكليات المفتتحة سابقا. وقامت جامعة دمشق بتعيين عدد كبير من المعيدين لمصلحة هذه الكليات، وأوفد العديد منهم خارجيا وداخليا لـتأهيلهم في شتى التخصصات، ليشكلوا عند عودتهم من الإيفاد نواة أعضاء الهيئة التدريسية الدائمين فيها.

وهنا لا بد من القول إنه على الرغم من الإنجازات الكبيرة التي تحققت على صعيد هذا المشروع الوطني المهم، فما زال هناك الكثير من التحديات والصعوبات التي يجب مواجهتها والتعامل معها. فما زالت جميع هذه الكليات محتضنة في مبان مؤقتة تعود لجهات أخرى، ولا تشكل فيما بينها حرما جامعيا. كما أن هناك الكثير من الإجراءات التي يجب اتخاذها لدعم وضمان جودة العملية التعليمية في هذين الفرعين، وهي أمور لا تحول الأوضاع الراهنة دون تحقيقها، كتوحيد الأسئلة الامتحانية بين الكليات المتماثلة في هذين الفرعين من جهة، والفرع الرئيسي في دمشق من جهة أخرى، وخاصة أن هذا إجراء معتمد في العديد من الجامعات العالمية لضمان جودة برامجها التعليمية في فروعها الخارجية. وهنا لا بدّ من التوحيد الكامل بين مناهج الكليات المتماثلة في الفروع والمركز.

مما لا شك فيه أن المرحلة القادمة، مرحلة ما بعد الأزمة، ستشهد حركة إعمار واسعة شاملة، ستشمل في وقت من الأوقات إنشاء الأبنية الدائمة لكليات هذين الفرعين، وهو أمر متاح وخاصة أن جامعة دمشق كانت قد أنجزت كل الدراسات اللازمة لإنشاء مختلف هذه الأبنية. ولا شك أيضاً في أن هذين الفرعين سيتحولان في الوقت المناسب إلى جامعتين مستقلتين تقومان إلى جانب الجامعات الوطنية الأخرى ببناء القدرات العلمية المميزة اللازمة لبناء هذا الوطن العظيم وتقدمه.

في هذه المناسبة العزيزة على قلب كل من ساهم في إنجاز هذا المشروع الحضاري، تحية من القلب، وتحية صادقة لكل من يعمل بصمت وإخلاص على حماية الوطن والدفاع عنه وإعلاء شأنه بعلمه وعمله وأخلاقه.